بداية يمثل التغير المناخي أحد أخطر التحديات الوجودية التي تواجه البشرية في القرن الحادي والعشرين، لما له من تأثيرات متشابكة على النظم البيئية، والموارد الطبيعية، والأمن الغذائي والمائي، والصحة العامة، واستقرار الاقتصادات والمجتمعات. فقد أدت الزيادة المستمرة في انبعاثات غازات الدفيئة إلى ارتفاع متوسط درجات الحرارة، وتفاقم الظواهر المناخية المتطرفة، وارتفاع منسوب سطح البحر، ما يفرض ضغوطًا غير مسبوقة على الدول الساحلية والنامية بوجه خاص.
وفي مواجهة هذه التحديات، برزت الحاجة إلى إعادة صياغة النماذج الاقتصادية التقليدية، والانتقال نحو أنماط تنموية أكثر استدامة، قادرة على تحقيق النمو الاقتصادي مع الحفاظ على البيئة والموارد للأجيال القادمة. ومن هنا ظهر مفهوم الاقتصادات الملونة كأطر فكرية وتطبيقية تعكس مسارات مختلفة لتحقيق التنمية المستدامة، وفي مقدمتها الاقتصاد الأخضر والاقتصاد الأزرق.
الاقتصاد الأزرق: مفهومه ودوره في مواجهة التغير المناخي
يُعرَّف الاقتصاد الأزرق بأنه الاستخدام المستدام للموارد البحرية والساحلية والمحيطية من أجل تحقيق النمو الاقتصادي، وتحسين سبل العيش، وخلق فرص العمل، مع الحفاظ على صحة النظم البيئية البحرية. ويشمل ذلك قطاعات حيوية مثل مصايد الأسماك المستدامة، والاستزراع المائي، والنقل البحري منخفض الانبعاثات، والطاقة المتجددة البحرية (كالرياح والأمواج)، والسياحة الساحلية المستدامة، وحماية النظم البيئية الزرقاء مثل الشعاب المرجانية وأشجار المانجروف.
ويمثل الاقتصاد الأزرق أحد أهم أدوات التكيف والتخفيف من آثار التغير المناخي، حيث تسهم المحيطات في امتصاص نحو ثلث الانبعاثات الكربونية العالمية، كما تلعب النظم البيئية الساحلية دورًا محوريًا في حماية السواحل من التآكل والعواصف، ودعم الأمن الغذائي لملايين البشر، خاصة في الدول النامية والجزرية والدول الساحلية.

الاقتصاد الأخضر وبقية ألوان الاقتصاد
إلى جانب الاقتصاد الأزرق، برز الاقتصاد الأخضر كإطار تنموي يهدف إلى تحسين رفاه الإنسان والعدالة الاجتماعية، مع تقليل المخاطر البيئية والندرة الإيكولوجية، من خلال خفض الانبعاثات، وتعزيز كفاءة استخدام الموارد، والاعتماد على الطاقة المتجددة، والزراعة المستدامة، والاقتصاد الدائري.
كما ظهرت مفاهيم اقتصادية أخرى مكملة، من أبرزها:
الاقتصاد البني: وهو الاقتصاد التقليدي القائم على الوقود الأحفوري والاستهلاك المكثف للموارد، ويُعد أحد الأسباب الرئيسة للتغير المناخي.
الاقتصاد الدائري: يركز على تقليل الفاقد وإعادة الاستخدام والتدوير، وتحويل المخلفات إلى موارد.
الاقتصاد منخفض الكربون: يسعى إلى تقليل كثافة الانبعاثات الكربونية في جميع القطاعات الاقتصادية.
الاقتصاد الحيوي: يعتمد على الموارد البيولوجية المتجددة لإنتاج الغذاء والطاقة والمواد.
الاقتصاد الاجتماعي أو الشامل: يضع الإنسان والعدالة الاجتماعية في قلب العملية الاقتصادية.
وفي الختام يمكن القول بأن التكامل بين الاقتصاد الأزرق والاقتصاد الأخضر وبقية الأطر الاقتصادية المستدامة يمثل مدخلًا استراتيجيًا لمواجهة التغير المناخي وتحقيق أهداف التنمية المستدامة، خاصة في الدول العربية والأفريقية التي تمتلك موارد طبيعية وبحرية هائلة، لكنها تواجه في الوقت ذاته تحديات تنموية ومناخية متزايدة. ومن هنا، يصبح تبني سياسات اقتصادية مبتكرة، قائمة على العلم، ومدعومة ببناء القدرات والحوكمة الرشيدة، ضرورة حتمية للانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة الفرص وبناء مستقبل أكثر استدامة.
بقلم :
الدكتور/ فوزي العيسوي يونس
استاذة وحدة فسيولوجيا الأقلمة- مركز البحوث الصحراوية
استشارية البصمة الكربونية والاستدامة.





