المخلفات البلاستيكية وتشكّلها لـ«القارة الثامنة Great Pacific Garbage Patch»

صورة توضح تراكم المخلفات البلاستيكية في المحيط الهادئ المعروف باسم القارة الثامنة.

بداية خلال سبعين عاما فقط تحوّل البلاستيك من مادة ثورية لاستخدامات صناعية وزراعية وطبية إلى ملوث كوني يشكل كتلا عائمة ومجهرية في المحيطات يشار إليها مجازيًا بـ«القارة الثامنة» (Great Pacific Garbage Patch كمثال).
فتراكم البلاستيك ناجم عن زيادة الإنتاج ضعف إدارة النفايات والتجارة الدولية غير المنضبطة.
الخطر يمتد من التأثيرات البيولوجية (أسماك – طيور – رخويات) إلى أثر صحي بشري واقتصادي ويتطلب إجراءات متكاملة — سياسات تقليص الإنتاج- تصميم دائري – مسؤولية المنتج الممتدة تحسينات في إدارة النفايات اتفاق دولي ملزم وحلول محلية للتنظيف والتوعية — كلها مرتبطة مباشرة بأهداف التنمية المستدامة.

1. تعريف المصطلح: «القارة الثامنة» ومصدر التسمية

عبارة «القارة الثامنة» مستخدمة مجازيا للإشارة إلى تراكم هائل من المخلفات البلاستيكية على السطح والعوالق البحرية في مناطق دوّامية محيطية. أشهر مثال هو Great Pacific Garbage Patch في الحلقة الشمالية للمحيط الهادئ، والذي تبيّن أنه ليس جزرًا صلبة من القمامة بل مركزات عالية من نفايات بلاستيكية (قطع كبيرة وميكروبلاستيك معلق). الرصد والتقارير العلمية والإعلامية ساهمت في شهرة المصطلح.

التلوث البحري
التلوث البحري

2. لمحة تاريخية موجزة عن تطوّر إنتاج البلاستيك وتسرّب النفايات

بعد الحرب العالمية الثانية توسع إنتاج البلاستيك بشكل هائل. تحليل شامل لحجم الإنتاج حتى الآن يُظهر تراكما ضخما: المليارات من الأطنان من البلاستيك أنتجت منذ منتصف القرن العشرين ونسبة إعادة التدوير ضئيلة نسبيًا مقارنة بالحجم الكلي.

دراسات بارزة (مثل Jambeck et al., 2015) قدّرت مداخل النفايات البلاستيكية من اليابسة إلى المحيطات بملايين الأطنان سنويا مشيرة إلى أن ضعف نظم إدارة النفايات في بعض البلدان الساحلية كان عاملا رئيسيًا.

3. ما هو حجم المشكلة اليوم؟ (نقاط أساسية)

تراكم كميات هائلة من البلاستيك في المسطحات البحرية وسواحل العالم بالإضافة إلى انتشارة الميكروبلاستيك في مياه الشرب – السلسلة الغذائية – والرواسب.

فقط جزء صغير من البلاستيك يعاد تدويره أو يُحرق بطريقة منضبطة؛ الكثير يدفن أو يسرّب إلى البيئة. التقديرات تشير إلى أن نسبة المواد المنتجة حتى الآن والتي تم تدويرها منخفضة جدا.

المخلفات البلاستيكية وتشكّلها لـ«القارة الثامنة»
المخلفات البلاستيكية وتشكّلها لـ«القارة الثامنة»

4. الآثار البيئية والصحية والاقتصادية

بيئيا: اختناق وتمزق لدى الحيوانات البحرية، ابتلاع البلاستيك نقل مُلوّثات مُمتزجة (مثل مركبات سامة ومضافات بلاستيكية) وتعطيل المواطن الساحلية والبحرية.

صحيا: تراكم الميكروبلاستيك في السلسلة الغذائية يثير قلقا صحيا بشأن التعرض لمواد كيميائية ضارة ومركبات معطلة للهرمونات — البحوث مستمرة لكن الدلالات كافية لإثارة إجراءات احترازية.

اقتصاديا: تأثير سلبي على الصيد السياحة وكلفة التنظيف الساحلي والبحري بالإضافة إلى آثار على التجارة البحرية والطاقة الحيوية للسواحل. (انخفاض العائدات السياحية – خسائر للصيادين تكاليف علاج بيئي).

5. لماذا لم تحل المشكلة حتى الآن؟ المحرِّكات الأساسية

1. نمو الإنتاج غير المقيد للبوليمرات والمنتجات أحادية الاستخدام.

2. فشل إدارة النفايات في كثير من المناطق الساحلية والبلدان النامية — يجري تصريف أو تهريب النفايات وعدم وجود البُنى التحتية الكافية.

3. سلاسل إمداد وتصميم منتجات لا تسهل إعادة التدوير (خامات مختلطة – إضافات كيميائية).

4. التجارة الدولية غير المنظّمّة للنفايات البلاستيكية قبل تعديلات القواعد وإلى الآن ثغرات في الرقابة والتنفيذ.

6. من الأدلة إلى العمل: الإطار الدولي والقوانين الناشئة

الأمم المتحدة أطلقت مسارا للتفاوض على معاهدة دولية إطارية لوقف التلوث البلاستيكي (Intergovernmental Negotiating Committee – INC) بهدف نص ملزم يُغطي سلسلة القيمة بأكملها (الإنتاج – التصميم – إدارة النفايات وتمويل الدول النامية). المفاوضات مستمرة وتواجه نقاط خلاف حول حصر الإنتاج وتمويلات التنفيذ.

تعديلات اتفاقية بازل بشأن نفايات البلاستيك دخلت حيز التنفيذ لتنظيم تصدير أنواع من النفايات البلاستيكية وتقليل التجارة الضارة.

7. آليات وتدخلات عملية لوقف «الزحف/الاستعمار البلاستيكي» (قائمة اليات قابلة للتطبيق)

> فيما يلي حزمة سياسات تقنية واجتماعية وقانونية قابلة للتنفيذ على مستويات محلية ووطنية وإقليمية ودولية.

 

أ. سياسات على مستوى الإنتاج والتصميم (الحدّ من المصدر)

1. تحديد أهداف لخفض إنتاج البلاستيك أحادي الاستخدام (خطوط زمنية واضحة وخفض تدريجي للإنتاج).

2. تصميم للدوارية (Design for Recycling): تشجيع المواد القابلة لإعادة الاستخدام والفصل السهل للمواد ومنع الخلطات التي تُعيق إعادة التدوير.

3. قيود ضريبية أو رخص إنتاج للبوليمرات عالية التأثير البيئي مع حوافز بدائل صديقة.

ب. مسؤولية المنتج الممتدة (EPR) وأنظمة مالية

4. تطبيق EPR فعّالة تُلزم الشركات بتمويل إدارة المنتجات في نهاية عمرها وتحمل تكاليف جمع وإعادة تدوير المنتج.

5. صندوق تمويل دولي لدعم البُنى التحتية لإدارة النفايات في البلدان النامية (جزء من متطلبات المعاهدة الدولية).

ج. تحسين إدارة النفايات والبُنى التحتية

6. الاستثمار في جمع تفريقي فعال مرافق إعادة التدوير المطابقة للمواصفات، والمعالجة الآمنة (التدوير الميكانيكي والكيماوي حيث مناسب).

7. منع التسريبات من ساحات التخزين والموانئ عبر تنظيم النقل والتفريغ ومعايير التعبئة.

د. حلول التنظيف والتتبع

8. عمليات تنظيف مستهدفة (على سواحل ومداخل أنهار) مع أولوية لمنع التسرب من الأنهار إلى المحيط (مصادر رئيسية).

9. نظم رصد وتتبع النفايات البلاستيكية باستخدام الاستشعار عن بعد شبكات مواطنة (citizen science) ومسح نهرى-ساحلي.

هـ. الابتكار والاقتصاد الدائري

10. دعم بحوث بدائل البلاستيك (قابلة للتحلل في الظروف البحرية غير ملوِّثة) مع تقييم دورة الحياة الكامل.

11. تشجيع نظم إعادة استخدام المنتجات وتغيير نمط الاستهلاك (نماذج اشتراك وإعادة تعبئة).

و. التوعية والتعليم وإشراك المجتمع المدني

12. برامج تعليمية وطنية ومحلية لتقليل الطلب على المنتجات أحادية الاستخدام وتحفيز السلوك الصديق للبيئة.

13. شراكات قطاع خاص-عام-مجتمع مدني لدعم برامج تنظيف ومبادرات مبتكرة.

8. الروابط بأهداف التنمية المستدامة (2030 و2050)

SDG 6/11: إدارة مياه وصرف أفضل، مدن مستدامة نظيفة.

SDG 12 (الاستهلاك والإنتاج المسؤولان): تصميم دائري مسؤولية المنتج الممتدة تقليل النفايات.

SDG 14 (الحياة تحت الماء): الحد من التلوث البحري بالمواد البلاستيكية حماية التنوع البحري.

رؤية 2050: الوصول إلى اقتصاد دائري عمليًا للبلاستيك (خفض صافي التسريبات إلى الصفر، وإدارة كل منتج في نهاية عمره بطريقة دائرية أو آمنة) يتطلب سياسات طويلة الأجل استثمارات ضخمة وتحوّل في سلوك المستهلك والصناعة — وهي امتداد منطقي لأهداف 2030.

9. أمثلة عملية / مبادرات بارزة

مبادرة The Ocean Cleanup — مشاريع لتنظيف تراكمات سطحية (تلقائية وميكانيكية) لكنها ليست بديلة عن الحلول من المصدر.

تقارير Ellen MacArthur Foundation التي تقدّم خارطة طريق للاقتصاد الدائري للمنتجات البلاستيكية وتدعو إلى تصميمات قابلة لإعادة الاستخدام والتدوير.

10. توصيات سياسة قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى (خلاصة إجرائية)

قصير المدى (1–3 سنوات): تطبيق حظر/قيود على بعض المنتجات أحادية الاستخدام إطلاق حملات توعية وطنية دعم البنية الأساسية لجمع النفايات.

متوسط المدى (3–7 سنوات): تطبيق EPR شاملة، تحسين مرافق إعادة التدوير تنفيذ تصاميم قابلة لإعادة الاستخدام على مستوى القطاع.

طويل المدى (7–30 سنة): العمل عبر اتفاق دولي ملزم يقلّص الإنتاج غير الضروري، تبنّي اقتصاد دائري فعّال وإلغاء الإغراق التجاري بنفايات غير قابلة للمعالجة.

 

وفي الختام فإن المخلفات البلاستيكية مشكلة عالمية متشعبة تتطلب خطوات متزامنة: خفض الإنتاج غير المستدام إعادة تصميم المنتجات تمويل بنى تحتية لإدارة النفايات وتنفيذ قواعد دولية ملزمة. تشكل «القارة الثامنة» تذكيرًا مرئيًا بمدى تأخرنا في التوصل إلى حلول شاملة — لكن الأدوات والسياسات العلمية والقانونية متوفرة؛ ما ينقصه هو الإرادة السياسية والتعاون الدولي والتمويل العادل لتنفيذها وبناء اقتصاد دائري حقيقي قبل 2050 يحقق أهداف 2030 كمراحل طريق.

قائمة المراجع:

1. جايير ر.، جامبيك جيه آر، لو كيه إل، إنتاج واستخدام ومصير جميع المواد البلاستيكية التي تم تصنيعها على الإطلاق، التقدم العلمي، 2017.

2. Jambeck JR et al.، مدخلات النفايات البلاستيكية من الأرض إلى المحيط، العلوم، 2015. (ملف PDF متاح).

3. مؤسسة إلين ماك آرثر، اقتصاد البلاستيك الجديد: إعادة التفكير في مستقبل البلاستيك (التقرير).

4. UNEP — Intergovernmental Negotiating Committee (INC) for a global plastics instrument (موقع ومستندات).

5. Basel Convention — Amendments on plastic waste (تنظيم التجارة الدولية بنفايات البلاستيك).

6. https://medium.com/@meaditi24/great-pacific-garbage-patch-163f787195e3

7. https://education.nationalgeographic.org/resource/great-pacific-garbage-patch/

8. https://globaltrashsolutions.com/blog/great-pacific-garbage-patch/?srsltid=AfmBOor9Dm5rINAM0hO7bXJxaEa_1O7yz-yGTWkoQVr576rftfWoVZl7

بقلم :

الدكتور/ فوزي العيسوي يونس

استاذ ورئيس وحدة فسيولوجيا الأقلمة- مركز بحوث الصحراء

واستشاري البصمة الكربونية والإستدامة البيئية.

الدكتور/ فوزي العيسوي يونس
الدكتور/ فوزي العيسوي يونس

مشاركة المقالة

مقالات ذات صلة

التناغم بين الأرض والبحر، والإنسان والطبيعة.

تمكين المجتمعات الساحلية نحو اقتصاد أزرق يعزز العدالة البيئية في العالم العربي

بداية تنطلق النسخة الرابعة من المنتدى العربي للأرض والمناخ في مدينة شرم الشيخ عاصمة الدبلوماسية البيئية في المنطقة في توقيت بالغ الأهمية يشهد تصاعد التحديات المناخية في العالم العربي وتزايد

إقرأ المزيد »
صورة تعبر عن صافي الانبعاثات الصفرية والاقتصاد الأخضر.

خريطة الطريق إلى صافي الصفر: فهم الفرق بين الكثافة الكربونية والبصمة الكربونية.

في قلب الجهود العالمية للتصدي لظاهرة الاحتباس الحراري يوجد سؤال جوهري: كيف نقيس تقدمنا حقا؟ هل نركز على كفاءة أدائنا الاقتصادي أم على الحجم الإجمالي للضرر الذي نلحقه بالكوكب؟ للإجابة

إقرأ المزيد »

ارسل لنا تعليق