🌿 مقدمة:
يُعد تقييم الأثر البيئي (EIA) حجر الزاوية في معادلة التنمية المستدامة، فهو الأداة التي توازن بين النمو الاقتصادي وحماية البيئة.
لم تعد القرارات التنموية تُتخذ بمعزل عن البيئة، بل أصبح تقييم الأثر البيئي عنصرًا أساسيًا في الحوكمة البيئية الرشيدة، لضمان أن مسار التنمية لا يُقوِّض مقومات الحياة.
لكن يبقى السؤال الجوهري:
هل ستظل تقارير تقييم الأثر البيئي مجرد وثائق على الرف؟ أم يمكن تحويلها إلى قرارات تنموية حقيقية تُحدث فرقًا على أرض الواقع؟
🧭 التقرير البيئي أكثر من مجرد إجراء إداري
النظرة الضيقة إلى تقارير الأثر البيئي باعتبارها متطلبًا قانونيًا فقط، هي نظرة قاصرة.
فالتقرير البيئي في جوهره أداة للتخطيط الاستراتيجي تجمع بين العلم والاقتصاد والمجتمع، لتقديم رؤية شاملة حول جدوى المشروع من منظور بيئي واجتماعي.
📑 محتويات تقرير تقييم الأثر البيئي تشمل:
جودة الهواء والمياه والتربة.
التنوع البيولوجي والحياة البرية.
الصحة العامة للمجتمعات المحلية.
التأثيرات الاجتماعية والاقتصادية المحيطة بالمشروع.
هذه العناصر تمكّن صُنّاع القرار من تعديل موقع أو تصميم المشروع لتقليل الأضرار البيئية، أو رفض المشروع تمامًا إذا كانت أعباؤه تفوق منافعه.
⚙️ من التوصيات إلى السياسات العامة
القيمة الحقيقية لتقارير تقييم الأثر البيئي تكمن في تحويل نتائجها إلى سياسات وتشريعات.
عندما تُدمج نتائج هذه التقارير في الخطط الوطنية، يمكن إعادة تصميم المشاريع لتصبح أكثر عدلاً واستدامة.
مثلاً:
إذا أظهرت الدراسات خطرًا على الموارد المائية، يمكن اعتماد نظم لإعادة استخدام المياه.
وإذا كانت المنطقة غنية بالتنوع البيولوجي، يمكن تحويلها إلى منطقة محمية بدلًا من استغلالها الصناعي.
كل قرار صغير من هذا النوع يصنع فرقًا كبيرًا في مسار التنمية المستدامة.
👥 المشاركة المجتمعية وضمان العدالة البيئية
إحدى ركائز تقييم الأثر البيئي هي إشراك أصحاب المصلحة — من السكان المحليين والمجتمع المدني — في مناقشة المشروع.
هذا الحوار المجتمعي يعزز العدالة البيئية ويجعل المشاريع أكثر قبولًا واستدامة، ويقلل من النزاعات الاجتماعية مستقبلًا.
⚠️ التحديات التي تواجه تقييم الأثر البيئي
رغم التطور الكبير في المنهجيات، ما تزال هناك تحديات رئيسية تحدّ من فعاليته:
نقص الشفافية في نشر نتائج التقارير.
ضعف المتابعة بعد الموافقة على المشروع.
تحيّز بعض الدراسات بفعل التمويل أو الضغوط المؤسسية.
ضعف الربط بين التقييم وأهداف التنمية المستدامة (SDGs).
🔍 خطوات لتفعيل دور تقييم الأثر البيئي في التنمية
لكي يصبح تقييم الأثر البيئي أداة حقيقية لصناعة القرار، يجب:
دمجه في الخطط الوطنية للتنمية وليس حصره في المشروعات الكبرى فقط.
تحويل نتائجه إلى مؤشرات أداء حكومية في الاستدامة.
ربطه بـ أهداف التنمية المستدامة مثل المياه والطاقة والمناخ والمدن المستدامة.
توسيع نطاقه ليشمل التقييم البيئي الاستراتيجي (SEA) الذي يُقيّم السياسات والخطط العامة.
🌱 الخلاصة:
يتحول تقييم الأثر البيئي من وثيقة علمية إلى أداة لتصحيح المسار التنموي عندما يُدمج بفعالية في عملية اتخاذ القرار.
إنه أداة تضع الإنسان والبيئة في قلب التنمية، وتضمن أن التقدم الاقتصادي لا يأتي على حساب الطبيعة أو الأجيال القادمة.
بقلم ا.د الهام فاروق
استاذ التحكم بالملوثات البيئية
دكتوراة بالهندسة البيئية





