جوزيف فوريه : رائد قانون انتشار الحرارة والتنبيه المبكر لظاهرة الاحتباس الحراري 

يعد جان-باتيست جوزيف فورييه (1768–1830) أحد أبرز العلماء الفرنسيين في مطلع القرن التاسع عشر، حيث جمع بين الرياضيات والفيزياء في إطار تحليلي فتح آفاقا جديدة في فهم الظواهر الطبيعية.

خلال الحملة الفرنسية على مصر (1798–1801)، لعب جوزيف فورييه دورًا بارزا إلى جانب نابليون بونابرت.
فقد عين سكرتيرا عاما للمجمع العلمي المصري الذي أنشأه نابليون في القاهرة ليكون مركزا للبحث والتوثيق العلمي حيث ساهم فورييه في تنظيم أعمال العلماء المشاركين وتنسيق مشروع “وصف مصر” الذي جمع بين الآثار – التاريخ – والعلوم الطبيعية. كما تولى مهام إدارية كمساعد لنابليون في شؤون الحكم المدني، ما جعله حلقة وصل بين الإدارة العسكرية والأنشطة العلمية وأسهم في إرساء الطابع العلمي للحملة الفرنسية.

هذا ولم يقتصر تأثيره على تطوير أدوات رياضية مثل تحليل فورييه بل امتد ليضع الأسس النظرية لفهم انتقال الحرارة في الأجسام الصلبة وللتنبيه المبكر إلى دور الغلاف الجوي في تنظيم حرارة كوكب الأرض.

أولا: قانون انتشار الحرارة

في عام 1822 نشر فورييه مؤلفه الشهير “النظرية التحليلية للحرارة” (Théorie analytique de la chaleur)، والذي وضع فيه الأسس الرياضية لوصف كيفية انتقال الحرارة عبر الأجسام الصلبة.

استند فورييه إلى فرضية أن الحرارة تنتقل تدريجيًا من الأجسام الساخنة إلى الباردة عبر عملية التوصيل الحراري.

صاغ ما يعرف اليوم بـ قانون فورييه لانتقال الحرارة (Fourier’s Law of Heat Conduction)، والذي ينص على أن معدل انتقال الحرارة عبر مادة يتناسب طرديًا مع تدرج درجة الحرارة وعكسًا مع المسافة.

هذا القانون أصبح لاحقًا حجر الأساس في الهندسة الحرارية – علوم المواد – والهندسة الميكانيكية بل وفي التطبيقات الحديثة مثل إدارة حرارة الأجهزة الإلكترونية والطاقة المتجددة.

ثانيا: فورييه والبيئة المناخية – رؤية استباقية

ما يميز فورييه أنه لم يقتصر على الظواهر الصلبة فحسب بل اتجه إلى دراسة توازن الطاقة الحرارية على سطح الأرض.

ففي عام 1824 كتب دراسة تاريخية أشار فيها إلى أن الغلاف الجوي يعمل كغطاء يحفظ حرارة الأرض، حيث يسمح بدخول أشعة الشمس القصيرة الموجة بينما يعيق خروج الأشعة الحرارية الطويلة الموجة.

تنبّه فورييه بذلك إلى دور الغازات الجوية (مثل بخار الماء وثاني أكسيد الكربون) في إحداث ما نسميه اليوم بـ التأثير الدفيئي (Greenhouse Effect).

رغم أن مصطلح “الاحتباس الحراري” لم يكن قائمًا آنذاك إلا أن فورييه أرسى اللبنة الأولى لفهم العلاقة بين الغازات الجوية والمناخ، وهو ما تطور لاحقًا مع أعمال علماء مثل جون تيندال (1860s) وسفانت أرينيوس (1896).

ثالثا: الإرث العلمي لفورييه في المناخ والعلوم الحديثة

شكلت أفكار فورييه نقطة الانطلاق لعلم الفيزياء الحرارية وعلوم المناخ.

إن إدراكه المبكر لدور الغازات في الغلاف الجوي جعل منه من أوائل من ربطوا بين الأنشطة الطبيعية (والتي نعرف اليوم أنها تتضمن أيضًا الأنشطة البشرية) وبين التوازن المناخي.

فبفضل رؤيته تطورت الأبحاث لاحقا لفهم الاحتباس الحراري وتغير المناخ، ما يجعل فورييه شخصية مؤسسة في تاريخ علم المناخ بجانب كونه رياضيًا وفيزيائيًا بارعًا.

وفي الختام يمكن القول بأن فورييه جمع بين عبقرية رياضية وقدرة على استشراف الظواهر الطبيعية، فأسس قانون انتشار الحرارة الذي صار من أهم القوانين الفيزيائية التطبيقية كما وضع بذور الفهم العلمي الحديث لـ التأثير الدفيئي الذي يتحكم في حرارة الأرض ومناخها. وهكذا يُعد فورييه أحد الرواد الذين سبقوا عصرهم حيث لا يزال تأثيره حاضرًا في النقاشات العلمية المعاصرة حول التغير المناخي والاحتباس الحراري.

بقلم :

الدكتور/ فوزي العيسوي يونس

استاذ ورئيس وحدة فسيولوجيا الأقلمة- مركز بحوث الصحراء

واستشاري البصمة الكربونية والإستدامة البيئية.

مشاركة المقالة

مقالات ذات صلة

مشاركة الدولة المصرية في مؤتمر المناخ COP30: حضور فاعل ورؤية متجددة للعمل المناخي العالمي”

شاركت مصر في مؤتمر COP30 بوفد رفيع المستوى، بقيادة كفاءات مصريه متمكنة لتؤكد على التزامها بالعمل المناخي ودورها القيادي في المنطقة، حيث تأتي هذه المشاركة في سياق جهود مصر المستمرة

إقرأ المزيد »
تقيم الاثر البيئي و القرار التنموي

تقيم الاثر البيئي و القرار التنموي: كيف تصنع نتائج تقييم الأثر البيئي الفرق في سياسات التنمية المستدامة؟

🌿 مقدمة: يُعد تقييم الأثر البيئي (EIA) حجر الزاوية في معادلة التنمية المستدامة، فهو الأداة التي توازن بين النمو الاقتصادي وحماية البيئة.لم تعد القرارات التنموية تُتخذ بمعزل عن البيئة، بل

إقرأ المزيد »

ارسل لنا تعليق