السنة الدولية للمراعي ورعاة الماشية 2026: ركيزة للتنوع البيولوجي والأمن الغذائي

الرعي المستدام ودوره في الأمن الغذائي

تمثل المراعي الطبيعية وأنظمة الرعي التقليدية أحد أعمدة التوازن البيئي والغذائي عالميًا، خاصة في المناطق الجافة وشبه الجافة. وفي هذا السياق، أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2026 عامًا دوليًا مخصصًا للمراعي ورعاة الماشية، في اعتراف عالمي بدورهم المحوري في حماية التنوع البيولوجي وتعزيز الأمن الغذائي ومواجهة تغير المناخ.

الأهمية العالمية للمراعي الطبيعية:

النطاق الجغرافي والبيئي:

تشغل المراعي الطبيعية حوالي 54% من مساحة اليابسة العالمية (بما في ذلك المناطق الجافة وشبه الجافة) وفقا لمنظمة الأغذية والزراعة (FAO). هذا وتعتبر هذه النظم الإيكولوجية موطنا لمجموعة متنوعة من الكائنات الحية وتوفر خدمات بيئية حيوية:

١· تخزين الكربون: تمتص المراعي حوالي 30% من الكربون المخزن في التربة العالمية.
٢· الحفاظ على المياه: تعمل كمستودعات طبيعية للمياه الجوفية وتقلل من الجريان السطحي.
٣· منع التصحر: تقلل الغطاء النباتي من تآكل التربة وتدهور الأراضي.

القيمة الاقتصادية والاجتماعية:

يعتمد على الرعي أكثر من 200 مليون أسرة رعوية في العالم معظمها في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن أنظمة الرعي تساهم بما يصل إلى 10% من إنتاج اللحوم عالميا وتوفر سبل عيش لما لا يقل عن 100 مليون شخص في المناطق الهامشية حيث فشلت الزراعة التقليدية.

الربط بأهداف التنمية المستدامة (SDGs)

على المستوى الدولي:

1. الهدف 2: القضاء التام على الجوع

· تنتج المناطق الرعوية 15-20% من اللحوم العالمية و30% من الحليب (IFAD، 2023)

· توفر أنظمة الرعي التقليدية أغذية مغذية في المناطق التي تندر فيها الموارد

2. الهدف 13: العمل المناخي
· الإدارة المستدامة للمراعي يمكن أن تخزن 100-300 مليون طن إضافي من الكربون سنويا (UNEP)

· تقنيات الرعي الدوراني تقلل انبعاثات الميثان بنسبة تصل إلى 30%
3. الهدف 15: الحياة في البر

· تحافظ الممارسات الرعوية التقليدية على 80% من التنوع البيولوجي في المناطق الجافة (IUCN)

· توفر ممرات للحيوانات البرية وتحافظ على التوازن البيئي

على المستوى الإقليمي:

في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا:

· تغطي المراعي 70% من مساحة المنطقة وتعتبر مصدرًا حيويا للأمن الغذائي

· تواجه تحديات متزايدة بسبب التغير المناخي والرعي الجائر

· مبادرات مثل المبادرة السعودية الخضراء تدمج حماية المراعي في سياساتها

في إفريقيا جنوب الصحراء:

· يساهم الرعي في 25-40% من الناتج المحلي الزراعي في دول الساحل

· توفر أنظمة الرعي صمودًا أمام التغيرات المناخية أفضل من الزراعة الأحادية

على المستوى الوطني (مثال: مصر):

بالنسبة لمصر يمكن للمراعي أن تساهم في:

1. تعزيز الأمن الغذائي: من خلال زيادة إنتاج اللحوم الحمراء محليا وتقليل الاستيراد

2. التنمية الاقتصادية: إنشاء صناعات مرتبطة بالإنتاج الحيواني في مناطق سيناء والساحل الشمالي

3. الحفاظ على البيئة: مكافحة التصحر في المناطق الحدودية وتحسين خصوبة التربة

أهم التحديات التي تواجه القطاع الرعوي

التحديات البيئية:

١· تغير المناخ: زيادة وتيرة الجفاف وتقلص المراعي الطبيعية
٢· تدهور الأراضي: فقدان 20% من المراعي العالمية للإنتاجية منذ 1990 (UNCCD)

التحديات الاجتماعية والاقتصادية

١· تقلص حقوق الرعاة: فقدان الوصول إلى 50% من أراضي الرعي التقليدية بسبب التوسع الزراعي والحضر
٢· ضعف التمثيل السياسي: غياب صوت الرعاة في صنع السياسات
٣· النزاعات: تصاعد الصراعات بين الرعاة والمزارعين على الموارد

الفرص والإمكانيات

الابتكار التقني والتقليدي

1. الرعي الذكي: استخدام تقنيات الاستشعار عن بعد لتحديد جودة المراعي

2. المعرفة التقليدية: دمج ممارسات الرعي الدوراني في السياسات الحديثة

3. السياسات المتكاملة: نماذج ناجحة مثل قانون المراعي في منغوليا الذي أعاد إحياء 25% من المراعي المتدهورة

الفرص الاقتصادية

· المنتجات العضوية: تسويق لحوم وألبان المراعي كمنتجات مستدامة

· السياحة البيئية: تطوير سياحة المراعي في مناطق مثل صحراء مصر الشرقية

· اقتصاد الكربون: بيع أرصدة الكربون من خلال مشاريع إعادة تأهيل المراعي

توصيات لتحقيق أقصى استفادة من السنة الدولية

للحكومات الوطنية:

1. إدراج الرعاة في التخطيط الوطني للأمن الغذائي والمناخ
2. تخصيص 10% من ميزانيات التكيف المناخي لحماية المراعي
3. إنشاء صندوق وطني لدعم المجتمعات الرعوية

للمنظمات الإقليمية:

1. إستراتيجية إقليمية مشتركة لإدارة المراعي العابرة للحدود
2. تبادل المعرفة بين البلدان ذات الأنظمة الرعوية المماثلة
3. إنشاء مراكز امتياز للرعي المستدام

للمجتمع الدولي:

1. إدراج حماية المراعي في مساهمات الدول المحددة وطنيا (NDCs)
2. تعديل معايير التمويل الدولي ليشمل مشاريع الرعي المستدام
3. إنشاء منصة عالمية لتبادل أفضل الممارسات

وختاما يمكننا القول بأن
السنة الدولية للمراعي ورعاة الماشية 2026 تمثل لحظة فاصلة لإعادة الاعتبار لنظام إنتاجي أثبت مرونته عبر القرون. ليست مجرد مناسبة تذكارية بل فرصة عملية لإعادة بناء العلاقة بين الإنسان والطبيعة ودمج الحكمة التقليدية مع الابتكار الحديث وخلق أنظمة غذائية أكثر استدامة وعدلا. نجاح هذه المبادرة سيكون معيارا حقيقيًا لالتزام المجتمع الدولي بتحقيق أهداف التنمية المستدامة وحماية الكوكب للأجيال القادمة.

المراجع:

1. منظمة الأغذية والزراعة (FAO). (2023). “The State of the World’s Rangelands”
2. برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP). (2022). “Global Land Outlook”
3. الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (IFAD). (2023). “Pastoralism and Resilience”
4. الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN). (2021). “Dryland Biodiversity”
5. اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر (UNCCD). (2022). “Global Land Degradation Assessment”
6. البنك الدولي. (2023). “The Economic of Pastoralism”
7. تقرير الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ (IPCC). (2022). “Climate Change and Land”
8. منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD). (2021). “Sustainable Livestock Systems”
9. المبادرة السعودية الخضراء. (2023). “التقارير السنوية”
10. الحكومة المنغولية. (2022). “قانون المراعي وتنفيذه”

مشاركة المقالة

مقالات ذات صلة

هيئات التحقق والمصادقة… الحارس الخفي لمصداقية الاستدامة والعمل المناخي

هيئات التحقق والمصادقة… الحارس الخفي لمصداقية الاستدامة والعمل المناخي

تزداد الضغوط على المؤسسات لتبني استراتيجيات بيئية فعالة، تبرز الحاجة إلى جهة محايدة تمتلك القدرة على قول الحقيقة كما هي، بعيدًا عن الأرقام التجميلية والتقارير المنمقة. هنا يظهر الدور الحاسم

إقرأ المزيد »

ارسل لنا تعليق